|
أهلاً بكم مع حكاوي أبو الخير
مجموعتي القصصية .. اتساع الجرح
( 1 )
اتساع الجرح الشتاء القارس وبرودة القلب و الجسد , البحرهائج تتلاطم امواجه و تعلــــو و تصطدم بالصخور محدثه صوتا رهيبا , تتعانق السماء مع البحر في الافــــــــق و قرص الشمس يغوص تدريجيا . تلك الليله داخل القصر المهجور, تكورت خلف زجاج النافذة المنبعث منها ضوء خافت , تراقب الطيور البحريه حين تتسابــــــق الى الشاطئ في جماعات , تصل كل الطيور للشاطئ الا هو , تركها كسفينه بلا قبطان , تتأجج مقلتاها , تصرخ دموعهاو هي تنساب رغما عنها كغديرماء دافئ .
هكذا أتسع جرحها , كان عليها ان تعرف ان الامواج التي تأتى بشده تنسحب بهدوء و لاتبقى أبدا .
تحسست أثر الزمن في وجهها , اعتدلت في جلستها و تحررت من ستائــــر جسدها , اسد لت شعرها , مدت قدميها على المقعد المواجه لها . حين داعبـــت النتوءات النافره فى جسدها , احست بنشوة تسرى فى كيانها , احتضنت قطتهـــا تتلمس دفئها . لحظتها انسكب الماضى بداخلها , استعادت عـذابـاتـها و بــــروده لياليها , حين اسلمت جسدها لرجل ضل طريقه اليها, و تركها تصارع امواجهـا, تذكرت حينما دخلا الصمت معا و تلاقت العيون , اقترب منها, اقتربت اكثر حتى تشممت أنفاسه الدافئه , ازدادت ضربات القلب , انصهر جليد الجسد حتى ذابـــت تمامـا , لثم شفتيها .
هكذا افاق الجسد , لكنه فى تلك اللحظات تخلى عنها , شعرت ببروده الهواء بينهما, انتفضت تلعن كل الرجال , خرج يعدو الى الشاطئ يلملم نفسه ويلعـــــن الشيطان . باغته صوت حاد تضاعف صدى الصوت , ارتعب ارتمى ارضا و دفن رأسه بالرمال , فكر لو أنـه احـد المرده . رفع رأسه بتثاقل و اطل بنصف عيـــن رأها ماثله امامه بصوره بشعه , لكنه ادرك ان البحر لا تأتي منه سوى جنيــــــات , تداخل الماضى و الحاضر بداخله , استعاد كلماتها و عذاباتها , فقد وعيـــــه , حينها بدأت الطيور البحريـــه تترك ثقوبـا داميه فى جسده و تلتهم أعضاءه .
هـدأت الرياح و الأمواج , لاحت الشمـس فى الأفق و بدأت الطيور البحرية رحلتها . و هي لا تـزال جالسة فى مكانها خلف النافذة تستعيد حكايتـها و تنتظــر الليلة التالية , اسد لت ستائر جسدهـا و تمنت لو تبزغ لها اجنحـة.
يسري أبو الخير فبراير 1998
( 2 )
أمرأة يسكنها الشيطان
شروق الشمس و انسكاب الضوء على المكان يعلن عن نهار جديد و نسمات هواء باردة تلف المكان و الزمان . أ يقظتنى من نومى بغبغه و زقزقــه عصفوران في قفص معلق علي حائط الشرفة , تناولت قهوتي و استعددت للعمـــــل , تناسيت تماما ما حدث يوم أمس , خاصة ابتسامة عم فارس و نظرة الأســتاذ عبد المنعم , حين وصلت لمكتبي بالوزارة لم يكن يشغلني سوى انتظارها .
كنت قد دربت نفسي على النظر في وجهها و انسدال شعرها في لقطه سريعة و الاحتفاظ بها في الذاكرة أستعيدها حين تغيب عني , لم يطل انتظاري حتى تبينت وقع خطواتها المميزة الناتجة عن حذاء ذا كعب عال يصدر عنه تكتكه علي البلاط , كلما اقتربت خطواتها أزدادت دقات قلبي لدرجه كأني أسمعه .
حين دخلت و جلست امامي خلف باب الحجرة و علي المقعد المواجه تماما, وهي علي ثقة أنني لن أتهرب منها , قمت من مكاني الي حيث النافذة الوحيدة بالحجرة , أسدلت ستارتها لتكبح جماح الشمس التي زادت حدتها , أدرت مروحة السقف لتخفف من حدة الوهج . تساقطت حبات العرق من رأسي , لست أدرى من حرارة الجو أم من رهبه اللقاء , لم تكن المرة الأولي التي تأتي فيها لمكتبي , و كنت عادة لا أهتم بها , لكن تلك المرة أحسست بنعومة صوتها ودفء أنفاسها , مما جعلني أنتشي , اجتاحتني بانفراجة بسيطة من شفتيها مالت برأســــــــــــــــــها للخـــــــلف مستنده علي الحائط في دلا ل شعرها أسود و غره جميلة متساوية تضفي علي الوجه أنوثة طاغية , رفرفت الأشواق بداخلي , كنت ما زلت عاجزا عن النطق , أبتلع كلماتي وأجمع شتات نفسي , اغتالني الصمت , كان علىّ أن اخرج من صمتي هذا , طلبت من عم فارس عامل البوفيه ليأت لنا بعصير الليمون , وضع العصير وابتسم و هز رأسه الصغير , كنت لا أفهم سببا لذلك .
ساعدتني هي وسألت عن ارتباكي , أطالت النظر في عيني لدرجه جعلتني أشغل نفسي في شئ .... دائما ما تفضحنا عيوننا و ارتعاشه شفاهنا , لحظتها أدركت إصرارها علي اختراقي , فالمرأة حين تريدك تدلك لأقرب طريق يؤدى اليها , تترد أنت و ترتبك و تفعل هي ما لا تســـــــــتطيع أن تفعله أنت , لكن با راد تـــــــــك و ليس بإرادتها ـــ 2 ـــ
اقتحم علينا الأستاذ عبد المنعم خلوتنا و طلبها لانهاء بعض الملفات خرج و تبعته هي بعد أن صوب تجاهي نظرة متسائلة عن مدى علاقتنا , عذبتني تلك النظرة و تركت في نفسي علامات تعجب , لقد أدرك حقيقة انشغالي بها , ربما لأنها المرة الأولي التي أخلو فيها بامرأة , مما جعلني انجذب اليها بكل ما لدى من شوق و لهفة .
جاءتني صباح اليوم التالي و كنت قد استعددت للقائها , أدرت المروحة , أسدلت السائر , ووضعت الكرسي في مواجهتي تماما , طلبت من عــــــم فـــــــــــــــارس حين يراها بمكتبي يأت لنا بعصير الليمون .
أتت و عطرها يسبقها , دخلت لحجرة مكتبي و ألقت نظرة علي المكان و ابتسمت , جلست و تحدثت عن نفسها و أشياء أخرى , حكت ما بداخلها و أزاحـــــــــــــــــــت ستائر النفس و الجسد دون خجل , ألمحت عن تجربة جنس ملتهبة .
كنت استعذب حكايتها وأستمتع بها , أنصت إليها باهــــــــتمام و عيني لا تفــــــارق شفتاها الممتلئتان و نهداها المتكوران و كانت تلحظ ذلك و تواصل حكايتها بصوت خفيض , حين توقفت عن الكلام , أدركت أنا يجب أن احكي عن تجاربي ...
حقيقة لم يكن عندي رغبه في الكلام , شعور متدفق اعتراني و تخلل خلايا جسدي , و بطريقه
ما أحست بما أنا فيه اليوم التالي سألت عم فارس عن سر ابتسامته و هزه لرأ سه , حكي لي قصتها مع زميل سابق بنفس الحجرة و نفس المكتب , أثناء ذلك كنت اجمع أوراقي و أفرغ محتويات مكتبي , و في يدي طلب النقل لقسم آخر
يسري أبو الخير
( 3 )
القمر خلف الغمام
غابت الشمس , أنحسر ضوء النهار , عادت العصافير تتقاطر فوق الشجر , تهبط و ترتفع , ترتفع و تهبط , يصدر عنها زقزقات تعودنا ها , ثم تختفي عـــــن أنظارنا , تتراقص و تتشابك أيدينا, نتماوج كالأعشاب نجرى و نتقافز , نـــــــردد ( ياوابور يا مولع حط الفحم ) , وقتها كانت قلوبا تدق المكان و الحوائـــــــــــــــط و الطرقات وأعشاش العصافير التي اختفت فجأه بين الأغصان , و يرجع لنــــــــا صداها عاليا , كنا نجرى في الدروب بين البيوت و الأشجار وجذوع النخيــــــــل حين تعبنا من اللف و الدوران و قوله ( ياوابور يامولع ) هدأ صخبنـــــــــــا , جلسنا في دائرة واسعة أكملتها ( أم فتحي ) بجسدها و هي تعيد ترتيب جلوسنـــا , راحت تحكي لنا حكايات كل ليله , كانت تترك رعبا في قلوبنا, فيزداد التصاقنــــا , نتجه بأعيينا لجذوع النخل بترقب , لكن سرعان ما يزول خوفنا و يتعالي صوتنا بدأ القمر يطل من خلف الغمام , ( أم فتحي ) ينساب صوتها تحكي لنا عــــن الأميرة صاحبه القصر العالي الممتد لعنان السماء المبني من البللور , توهج منه الانوار , تحيطه من كل جانب بحيرات صغيرة لونها فضي تسبح بها أسماك ملونـه و غير ملونه , أبتلعلنا اصواتنا , وراحنا نطرطق اذاننا ,
تتصاعد الحكايات , ارقب نجمه وحيدة تومض , كلما ومضت رفرف قلبي و تراقص , أشعر ببرودة السحاب . اقف , أمشي يمشي معي القمر , أقف يقف , اتابع المشي , و اكرر ذلك مـــرات, اجدها امامى كصفحه القمر , تلك الاميرة التي تخرج كل لــيله تداعــب القمــــــــر و تراقص النجوم , ترفرف بجناحيها , اغادر جسدى , تبزغ اجنحتي , ارفــــرف خلفها, تعلو اعلو, أحاول احتوائها, كلما اقتربت منها ابتعدت, اكرر اللحاق بها اقترب تقترب, كفراشتين تتراقصان, نقيم طقوسنا للقمر, ندور حوله ونسبح, يغمرنا الضوء , نفترق ....... ينساب صوت ( أم فتحى ) بأغنيه تسرى في بدني تحكى عن أميرة لا تأتى
يسرى أبو الخير أغسطس 1994
( 4 )
الانتقال إلى العالم الأخر اعتاد البحث عن نفسه.. يختلي بها .. يتحدث إليها .. ينصت لها .. تدور بينهما حوارات طويلة خاليه من الكذب , ما أجمل تلك الحوارات !! ذات ليلة طالبته بالبحث عن معشوقته لتتخفف عنه ويتحلل من كدره . زوجته ما زالت بالمطبخ وقد بلغت ذروة نشوتها وهى تتناول السكين وتذبح الطائر الأبيض .. تناهى إلى سمعه صوت رفرفة الأجنحة .. بدأ الصوت خافتا ثم تزايدت الرفرفة لدرجة جعلته يصم أذنيه بأصابعه ، اقشعر بدنه ، انتابه شعور بالاهتزاز بقوة ، جرى باتجاه الشرفة فزعا يستطلع الأمر ، مد بصره ليراه يرفرف بقوة ، مخالبه قوية تنقض على البناية وترتفع بها عن الأرض ، عن الزمان والمكان ، أصابه فزع تصاحبه دهشة .. جرى للداخل لعل أحدا يشاركه فزعه ، لحظات الخوف تقتل الإنسان مرات ومرات وتنقله لعالم آخر ، صرخ لم يسمعه أحد ، ارتدت الصرخة بداخله عاد للشرفة مرة أخرى ، البناية تبتعد وحركة الشارع والبشر كما هي طبيعية فجأة زال الاهتزاز واستقرت البناية في واحة خضراء ، انتظمت دقات قلبه ، دار بعينه باتجاه الشرفات المحيطة به ، رأى أناسا لم يعرفهم ولم يرهم من قبل ،يبدو على ملامحهم الارتياح . انتبه على طرقات الباب، اندفع إليه ليجد معشوقته أمامه زاغت عيناه ، تحسسته دافعة إياه للداخل ، ارتد للخلف ، جلس على الأريكة ، أحس بالزهو والانتصار ، خفق قلبه بنشوة ، جلست بجواره ، تشابكت الأصابع ، كان يعرف صمتها ، أتته هاربة ، تركت ذاتها وانسلخت بجسدها بعد صراع بينهما ،أتت وجسدها يصرخ ، ما أصعب صرخات الجسد !! تتهاوى بعده كل الكلمات حيث لا تسمع سوى آهات ... ارتمى في أحضانها وبين ذراعيها ، تناولته ، غاص في أعماقها يملؤه شغف للتنقل بين مشاعرها وأحاسيسها يبحث عن نقسه في ثناياها ، يذوب حبا لا عشقا ،احتوته بنهم ، أغمض عينيه تخيل زوجته حيره أمرها ، تسرب إلى سمعه صوت رفرفة الطائر الأبيض مرة أخرى ، تمنى لو عادت الاهتزازة بنفس القوة لتعيده . لحظتها أفاق تداعى كيانه انصهر عقله توقفت نبضات قلبه، تصبب العرق من رأسه وخلف أذنيه ، طفرت دمعة من عينيه سقطت دافئة على جبهة صغيرته ضغط عليها صرخت ، هرعت زوجته لصراخ الطفلة والسكين ما زال بيدها يقطر دما ، و وطفلته بين يديه تذبحه نظراتها يسرى أبو الخير 24/10/1996
( 5 )
حلم طائر النورس
كنا قد التقينا .. كيف لا ندرى .. أين لا ندرى .. متي لا نذكر .. لكن تحقق الحلم و التقينا .. شاطئنا ممتد لا نهاية له .. أمواجه هادئة ناعمة دافئة .. الشاطـئ يخلو ألا من سوانـا .. و طيور النورس شديدة البياض .. ترفرف في جماعات .. تنطلق إلى ما لانهاية .. قلوبنا تخفق و ترفرف معها ..نترك أجسادنا ..نمتطي أروا حنا .. نهيم بها علي المكان ..تعترضنا طيور سوداء تتصدى لنا ..تمنعنا من تتبع طـيــــور النورس .. نتبادل النظرات .. نهز رؤوسنا .. نستجمع قوانا و نواصل التحليــــق .. نخترق السحاب تختفي عنا طيور النورس .. نرتجف من برودة السحاب .. أتأمــل عينيها.. أشعـــــر بالدفء .. تحتويني ....
ندور دورتنا .. نهبط للشاطئ .. نهبط للشاطئ نبحث عن جسدينا .. لا نجـد سوى جسد واحد غير واضح المعالم .. تتعانق و تمتزج روحينا .. تسرى في الجســـد الممدد علي الشاطئ في نشوة .. يتمرغ علي الرمال .. يحلم .. و يحلم .. الطيـــــــــور البيضاء ترفرف من حوله .. الأسماك تقيم أعراسها في المياه الدافئة .. الرمال لامعة .
تغوص الشمس في الأفق .. يعتلي القمر السماء .. يزداد تألقا .. جمالا .... ينشر ضوءه بطول الشاطئ.. الجسد مستغرق في حلمه .. منشيا بضياء القمــــــر و نسمات البحر و الليل . تتلاطم الأمواج .. تهب الرياح .. الطيور السوداء تعود و تخترق حلم الجســـد الواحد .. تفزعه .. ينهض مذعورا .. تنفصل روحينا .. نصير جسدين .. نفترق .. ينطلق كل منا باتجاه .. كيف لا ندري .
يسري أبو الخير
( 6 )
عسكر و حراميــه
مع الصديقات الحوار لا يخلو من الثرثرة فى شتي لموضوعات الى ان بهن الحديث عند الحد الغير مسموح بــه .
قالت شيئ جميل ان تكونى امرأه بما خلقها الله برقتها , جمالها , شفافيتها , ضعفها , احتياجها للرجل .. لكن الاجمل ان تكونى رجلا .
قبل ان تنتهى صديقتها من كلامها تغيرت و تبدلت ملامح وجهها .. تجمدت
كرأس تمثال ..صفعتها الكلمات .. اختنقت نظراتها .. ارتجفت مكانها .. ابتلعت ذلك الاحساس .. نهضت مسرعة باتجاه الباب .
اجلستها وهدأت من تأثير كلاماتها . قالت : لم أقصد ان تكونى رجـــــلا بالفعل بل تتصرفين كرجل .. الرجال يمتلكون حريتهم و من يمتلك حريته لا يسيطر عليه أحد .
أعادتها الكلمات الى طفولتها .. الى ما تخييلت أنها نسيته .. طاردها ذلــــك الاحساس .. تحسست وجهها .. ( يا ألهي ) لحيه .. شارب .. ذاب نهداها ........ انتفخت عضلاتها ..هزت رأسها نافيــة غير مصدقة .. حاولت اخفاء هذا الشعـــور لكنها ارتبكت .. ما الذى يحدث !! أأصبحت رجلا ذو شارب ولحية ؟!
انسحبت من شرودها على صوت صديقتها ... ماذا بك ؟ أجابت شريــف زوجى .. تصورى اننى اشتهى العوده اليه .. اليوم عامان مضيا على زواجنــــــا قالتها و هى تغلق الباب خلفها .. هبطت درجات السلم فى شوق .. اشارت لسيارة أجره اختصارا للوقت ..
هربت لسنوات بعيدة يوم ان فقدت امها .. يعاملها و الدها كولد .. ليــس لديه سواها .. تعشق هى اللعب مع الاولاد ( عسكر وحرامية ) مغرمه هى بدور العسكر .. انتبهت على توقف السيارة امام العمارة .. قفز البواب و تقدمها الى المصعد معلنا ( البيه فوق يا هانم ) أغلقت باب المصعد وضغطت على زر الطابق العاشر .. شقتها نوافذها كبيرة و شرفاتها واسعة .. كثيرا ما تناولا الشاى بها استدرات لتجد صورتها بالمرآه ذات شارب ولحيه .. ظلت تلاحقها تلك الصورة توقف المصعد و خرجت مهرولة .. ارتعشت يدها بالمفتاح حتى تمكنت من فتح الباب.. الشقة تفوح منها أطايب العطر .. تتجول فى جنباتها نغمات حالمه تريح النفس و تبهجها .
جالس هو قبالة النافذة يدخن سيجارته وينظر من خلف الزجاج الى صفاء السماء و جمالها .. بهجه القمر و تلألؤ النجوم و تراقصها ..منتشيا .. مختليا بنفسه وسيجارته تلفظ دخانها الاخير .. تسللت هى الى خاطره .. انتحى بها جانبا حتى لا تستحوذ على صفاء نفسه ...... ملتهبه الطباع .. خشنه الالفاظ .. حادة الملامح.. انزعج .. تمنى أن يطيح بخاطره بعيدا و يتخلص منه .. لحظتها تجسدت امامه فوق المقعد المواجه له .. فاضت عيناها بالدموع للمره الاولي .. نادمه هى .. تغوص فيه .. تسبح فى مشاعره و أحاسيسه .. رقيقه هي .. ناعمه .. حالمــه هادئه ... كانساب الماء فى الغدير.
احتواها.. ازدادت بكاء .. وضعفا و أنوثة ..... فى حجرة النوم جلست أمام المرآه تصفف شعرها .. بلا خوف .
يسرى أبو الخير
يناير 1995
( 7 )
نظرات دامية عقارب الساعة تدور ويقفز عقرب الثواني من ثانيه إلى أخرى كعصفور فرح بقدوم الربيع.. حتى كانت السادسه و تعانقت عقارب المنبه فصدر عن هذا العناق رنين عال حتي انفض.. دونما يفيق أحد.. و هو يغط في نوم عميق يصارع أحلامه التي أ رقته طويلا و كأنه يشاهد فيلما من أ فلام (هيتشكوك) ..
كانت قد تسللت الى الغرفه و أنارتها بأشعتها من خلال فتحات الستائر وعكست ذلك على الحائط المقابل و أيضا على وجهه.
فأذا به يفيق مذعورا, لقد تأخرعن عمله.. انتزع بنطلونه و كذلك قميصه من الشماعة حتى أكمل ارتدائهما, قبل أن ينتعل حذاءه, صحت زوجته على أصوات حركته السريعة التي أدت إلى ارتطا مه بالتسريحة.. فتحت عينا واحدة و بهدوء أغمضتها, ألقى عليها تحية الصباح.. أنتظر منها و لو كلمة .. فتحت عينيها معا.. و نظرت اليه نظرتها المعتادة, أشاح بوجهه عنها خجلا.
فتح النافذة قبل أن يمشط شعره. فرآه يقف أعلى سطح العمارة المقابلة له ينظر أليه و ينعق .
أسرع بالخروج دون أن يبلل وجهه بالماء, مهرولا يحاول اللحاق بالاتوبيس.. لكنه على غيرالمعتاد لم يتوقف بالمحطة و تلهف في قلق بالغ على آخر, عيناه زائغتان لا تستقران.
جاء الأتوبيس و لم يفق إلا و هو ضمن ركابه, بعد أن هدأت حركه الركاب و أستقر كل في مكانه... أحس بالنظرات تلاحقه, لقد نسى أن يمشط شعره و يغلق أزرار بنطلونه. حاول تجاهل تلك النظرات التي اعتاد عليها من زوجته لكنه فشل.
قرر النزول بأول محطة و أيضا عدم العودة الي زوجته. و عندما وصل إلى عمله, كانت الساعة قد جاوزت العاشرة, نظرات زملائه مختلفة عن ذي قبل.. حملق في عيونهم وأحس بارتياح و شعر بالدفء و الحب و تباطأ فى خطواته ناحية مكتبه و جلس خلفه فلم يجد ملفاته و دوسيهات عمله.. فنهض من مكانه و خرج دون كلمة..... بل ودع زملائه بنظرة شاملة. يسري أبو الخير
( 8 )
حكايات عن الموت
تكرار ذلك الحلم أكثرمن مره جعلنى أ نتظر تفسيرا له , لكن ضجيج الشارع كان سببا في صحوى من النوم . فتحت عيني لأرى الشمس ساطعة, أشعتها الذهبية تمتد من خلال النافذة و تنتشر بأرجاء المكان, قفزت بحركة بهلوانية و بالقرب من النافذة جلست أ تطلع إلى شارعنا. كان البيت من الداخل حارا و جدرانه تفح بالنار, كأنما الأرض أ صبحت أقرب الكواكب آلي الشمس. حركت رأسي تجاه البنايات المحيطة ببيتي من كل اتجاه, لمحته أثناء سقوطه و سمعت دوى ارتطامه بالأرض و تمزقه و تطاير أشلاءه, ارتعشت نفسي, أصابني الفزع, أسدلت الستارة برعب, جريت نحو سريري, تكورت فيه وأخفيت وجهي بيدي, تساقط من جلدي خيوط عرق, أحالت المكان تحتي إلى بحيرة, أفقت على طرقات الباب كان صوت آمي يتسلل الي سمعي و كنت ما أزال راقدا. قالت: لسه نايم ..... قالتها و دفعت الباب حتى اقتربت ناحيتي تحسست شعري, تضاعف الآمان عندي.
كثيرا ما أجلستني بجوارها تحكى لي حكايات عن الموت و الحياة لا تنتهى, كنت لا أستوعبها, لكن كان علىّّ التظاهر بفهم ما تحكيه, بالرغم من أنني دائما ما كنت أحاول أستعادة بعض من تلك الحكايات على فترات, الا أنني دائما ما كنت أفشل.
كان لزاما علىّ أن أذهب الي متجر والدى لقضاء احتياجاته . علمتني آمي أن لا أضيق بذلك و أيضا أن ارفع السجادة بعد كل صلاه حتى لا يبول عليها الشيطان , و أن أ ذهب لصلاة الجمعه قبيل صعود الخطيب الي المنبر .
الزى التقليدي لوالدي جلباب أبيض و طاقية من نفس النوع, ممتلئ الجسم, ذو لحية بيضاء نوار نية , يستظل دوما بشجرة عتيقه ورافة أمام متجره يتابع عماله . لا يغادر مكانه إلا لصلاة الجماعة.
كنت عندما أجلس أليه, لا يتحدث كثيرا, لكن نظراته دائما ما تترك أثر في نفسي لا أفهمه ... كثيرا ما حيرتني .
لذا ــــ كنت أجلس الى أمي أحكى لها , لكن هذه المرة تضاءل لساني داخل محيط فمي حتى كدت أبتلعه . نظرت آمي ناحيتي ووضعت يدها على فمي و أومأت برأسها . طلبت منى السكوت, لحظتها قفزت الي رأسي إحدى حكاياتها التي لم أكن أستوعبها.
صباح اليوم التالي أكتظ شارعنا بانتظار النعش. ووقفت أمي بالمقدمة تربت على كتفي تدعوني للتماسك.
20/5/1997
( 9 )
طيور بلا أجنحــــــــــــــه
ـــ 1 ـــ
أسوار عالية تجملها قضبان حديدية رؤوسها سهام مدببة تتوسطها بوابــــة ضخمة بها عجلات صغيرة يعلوها الصدأ .... مزلاج كبير يتحرك في عدة اتجاهـــات لاحكام الغلق .. تحيطها أشجار عالية متشابكة كسياج يحجب ضوء الشمس أعلاها طيور لا لون لها و بلا أجنحة .... يتصــــدر واجهــــــة البوابــــة لافتـــــة " مدرسة الحرية " .. الفناء واسع و المبني الوحيد حجراته متراصة نوافذهــا صغيرة .. أسفل المبني حجرات ضيقة حالكة الظلمة ... العلم يرفرف أعلي الصاري لم نتبين ألوانه .
ـــ 2 ـــ
حين دق جرس بدء الحصة , اغتالنـــــــــا الرعب , و قد أتت ( شولا نز) مدرسة الحساب تتوعدنا بحجرة الفئران ... تبتل سراويلنا .. و لا يصـــــــدر عنا أي همس حتى قرب انتهاء الحصة . أحدنا يصدر صوتا يخرجنا عن سكوننــــــــــا و لضيق الوقت كانت لا تعاقبه .
ـــ 3 ـــ
" إبراهيم " أو" توشمبي " كما يحلو لنا أن نسميه لضخامته و ملامحه الزنجية .. يرتدي البالطو الأبيض في حصة الرسم , يتحرك بحركات تمثـــيلية , يروي لنا و يحكي ... ننطلق من أعماقنا .. نري الكون بعينيه .. نتفاعل .. تنساب الألوان و تتداخل بين أيدينا و في كياننا .
ـــ 4 ـــ
حكي لنا عن السمكة المتوجة زاهية الألوان تتراقص في بحيرة زرقــــــاء . تحيط بها مجموعات تماثلها في الحجم , يتبعها مجموعات أكبر منها حجـــما ذات ألوان مختلفة , تسبح بحركة دائرية تحيط بالسمكة المتوجة , تتخـــلل الأعشاب البحرية , تغوص و تطفو في موكب مهيب .
ـــ 5 ـــ
الطيور البيضاء ترفرف بأجنحتها في سماء صافية و شمس ساطعة , في أسراب تتري في شكل بديع , محلقة علي ارتفاعات مختلفة .
ـــ 6 ـــ
أراضي شا سعة .. الشمس مشرقة.. الأشجار دائمة الخضرة .. أسوار حول المراعي .. الخيول البرية بالداخل .. و كان عليها قفز الحواجز .
يسـرى أبـو الخــير
20/2/1999
( 10 )
معاناة مقاتل
يتهادى الظلام برفق فوق المدينة المتهدمة.. تاركا الفرصة للأشباح تتجول بين أرجائها و جدران البنايات الخاوية.. و طيور الظلام.. ضوء خافت يتسلل من أحدى الخنادق المنتشرة أسفل المدينة.. الصمت قاتل ينشب مخالبه في المكان.
فجأة .. قذائف مباغته تغتال الصمت .. تمزقه إلي أشلاء.. و تنتشر الطيور السوداء.. تحجب سماء المدينة.. تحيل ظلمتها إلي أضواء متقطعة.. صورة تكررت كثيرا لعدة أيام .
حين انتهت الحرب .. أنتشر الجنود بالمدينة تقلهم العربات المكشوفة و المصفحة يلوحون بأسلحتهم... لحظتها اصطفت جماهير عديدة تتابع الموقف .. ينكس هو عكازه.. تتساقط منه قطرات الألم و الهزيمة.. تدمع عيناه.. تنساب بداخله.. يعلو وجهه ابتسامة ساخرة.
عاد لمنزله .. تهللت زوجته .. نظر لعكازه بصمت .. أدركت صمته .. طفرت دمعه في عينيه .. أجتر مرارة حلقه .. أحس بفقد ساقه الأخرى .
صباح اليوم التالي كان قد قرر جمع الأكياس و شكائر البلاستيك الفارغة .. خرج يستند على عكازه يجوب المدينة يجمع الرمال في الأكياس و الشكائر .. و طلب من زوجته أن تأت إليه أيضا بكميات من الرمال كلما خرجت للتزود باحتياجاتهم الضرورية.. و قد نبه عليها احضار كميات من المعلبات و الأطعمة الجافة..
حين انتهى من جمع كميات كبيرة من الرمال.. بدأ في إعداد البيت.. مبتدأ بحجرته.. نزع لمبات الإضاءة.. أزال البلاط.. حفر حفرتين عميقتان أحداهما في حجرته و الأخرى بالحجرة المقابلة.. يتخللها ممر يساعده على الهرب إذا ما كان هناك اقتحام.. حين أن انتهى من الحفر.. قام بترتيب أكياس الرمال خلف النوافذ و الجدران.. كان عليه إخلاء الحجرة من الأثاث إلا من الأشياء الثقيلة كي يستخدمها كمتاريس خلف الأبواب.
انتابه أحساس بالخطر .. انتصب خلف النافذة يطل من خلال فتحه صغيرة بين أكياس الرمال .. يضبط الاتجاهات و الزوايا التي من الممكن أن يخترق منها البيت.. فيتأكد من أمكانية اختراقه.. يعيد ترتيب الأكياس بشكل آخر.. مغلقا تلك الفتحة بين أكياس الرمال.. و يستعيض عنها بنظارة مكبره .. تمكنه من دقه المراقبة.
و كان على زوجته أن تلون و تزين أكياس الرمال و تضفي عليها لمسات جماليه.. واضعة صورته بالزى العسكري .. و بجوارها صورة زفافها إليه.
قبل غروب الشمس كانت الطيور قد عادت للتحليق فوق المكان يصدر عن رفرفه أجنحتها أزيزا يصم الآذان.. أنكفأ فوق عكازه مقتربا من الأرض .. يدس رأسه بين ذراعيه.. تملكه الخوف.. قررت زوجته الرحيل.. تضاعف الخوف لديه.
كان عليه أن يزيد كميات أخرى من أكياس الرمال.. و قطع الأثاث (المتاريس ).. حين ارتفعت الرمال و سدت كل المنافذ.. ولامست السقوف.. أظلم المكان.. اتسعت ابتسامته.. لحظتها انهارت الرمال فوقه.. رفع يده ملوحا بعلامة النصر.
15/4/2003
( 11 )
غزالـــــــــــــــــة
بدأ الدفء يدب في أوصال الغابة ، حين غادرها شتاء طويل ، اكتست الأشجار بلون الخضرة و بدت الأزهار بألوان متباينة ، يفوح منها أريج له عبق خاص بالغابة و سحرها . و عند هطول الليل بدا
قرص القمر متسعا ينشر ضياءه
بجوار غدير الماء وأسفل شجرة عتيقة ، انساب صوت الناي شجيا يبقي بالعين دمعة تجعل للعين بريق يأسر القلوب . و بمرمى البصر تجدها تعدو و تقفز مع ضوء القمر و نغمات الناي الحالمة ، ترقص بحركات إيقاعية متوترة ، سرعان ما تنساب و تبدأ بالدوران حول نفسها ثم تعيدها . حتى يطل ضوء النهار و يختفي القمر ، تعدو إلى حيث أتت
تلك الليلة عاودت فعلتها ، الفراشات ترفرف بألوان أجنحتها تجاه الضوء المبهر ترنو إلى نهاية . و الأيل بقرونه المتشعبة ظل ساكنا بأعلى هضبة مطلة على غدير الماء
يا له من جمال و سحر لتلك الحركات الإيقاعية ، و صوت الناي يغرد و يداعب أوتار شغاف قلبها و أحاسيسها . ترهف السمع و تدنو لتشبع الروح بفيض النغمات وهي تتمايل بشدة تصارع جسدها
حينها غاب القمر و أظلمت السماء ، اختفت النجوم نعقت البوم تحركت الرياح بشدة فتسمع حفيف الأشجار . و هي تترنح بنشوة باتجاه عازف الناي ، بعينيه شعاع حاد مبهر ، أعقبه احمرار بلون الدم ، برزت أنيابه يغرسها برقبتها ، تسيل منها خيوط من الدم ، تهوي بجسدها لأسفل ، تتمدد أرضا ، تتساقط أحلامها واحدا تلو الأخر ، تغمض عينيها و هو ينتهك جسدها و بقايا روحها
يسري أبو الخير
3/2/2005
|